إعلان الاحكام العرفية       السحل في الشوارع وصلب الجثتين       تنفيذ الإعدام في هانئ       شهادته وسلبه       مع ابن زياد       أسره       الإفشاء بمكان وجود مسلم والهجوم على الدار       اعلان حالة الطوارئ       مسلم في ضيافة طوعه       حرب الأعصاب وهزيمة الثورة    
 
 

صفحة المسجد الرئيسية

صفحة السفير الرئيسية

حياة السفير مسلم بن عقيل

  المقدمة
 
ولادة مسلم ونشأته
 
عناصره النفسية
 
زوجاته وأولاده
 
مع الامام علي بن ابي طالب
 
 
 
سفارة الشهيد مسلم بن عقيل
 
رفض الإمام الحسين بيعة يزيد

   إعلان التمرد في الكوفة

  الكوفة وطبيعة مجتمعها المعقد
 
انتخاب مسلم وسفره إلى العراق

 في بيت المختار

  ابتهاج الكوفيين وبيعتهم للحسين

 رسالة مسلم للحسين

  سخط الحزب الأموي وفزع يزيد

 ولاية ابن زياد على الكوفة

  هانئ بن عروة

 تحول مسلم الى دار هانئ

 مقدرة مسلم على قتل ابن زياد

 اعتقال هانئ وانتفاضة مذحج

 ثورة مسلم

 حرب الأعصاب وهزيمة الثورة

 مسلم في ضيافة طوعه

 اعلان حالة الطوارئ

 الإفشاء بمكانه والهجوم على الدار

 أسره

 مع ابن زياد

 شهادته وسلبه

 تنفيذ الإعدام في هانئ

  السحل في الشوارع وصلب الجثتين

 إعلان الأحكام العرفية


     
 


سفير الحسين مسلم بن عقيل » الأخبار » سفارة السفير مسلم بن عقيل


رسل الغدر واعتقال هانئ وانتفاضة مذحج



رسل الغدر واعتقال هانئ وانتفاضة مذحج  :

وأنفق ابن زياد لياليه ساهرا يطيل التفكير ويطيل البحث مع حاشيته في شأن هانئ فهو أعز من في المصر وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة ولا يدع مسلما فريسة لأعدائه فإذا قضى عليه فقد استأصل الثورة من جذورها وقد أعرضوا عن إلقاء القبض عليه وتطويق داره فأن ذلك ليس بالأمر اليسير فقد أتفق رأيهم على خديعته بإرسال وفد إليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته فاذا وقع تحت قبضته فقد تم كل شيء ويكون تشتيت أتباعه ليس بالأمر العسير وشكلوا وفدا لدعوته وهم :

1.    حسان بن أسماء بن خارجة زعيم فزاره

2.    محمد بن الأشعث زعيم كنده

3.    عمرو الحجاج

ولم يكن لحسان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبرت ضد هانئ وإنما كان يعلم بها محمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته ويعملوا جاهدين على إقناعه .

اعتقال هانئ

وأسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالسا على باب داره فسلموا عليه وقالوا له :

((ما يمنعك من لقاء الأمير فأنه قد ذكرك ؟ وقال :لو أعلم أنه شاك لعدته )).

فقال لهم :الشكوى تمنعني

وأبطلوا هذا الزعم وقالوا له : أنه قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والإبطاء والجفاء لا يتحمله السلطان أقسمنا عليك لما ركبت معنا .

وأخذوا يلحون عليه واستجاب لهم على كره فدعا بثيابه فلبسها ودعا ببغلة فركبها فلما كان قريبا من القصر أحست نفسه بالشر فعزم على الانصراف وقال لحسان بن أسماء يا بن الأخ إني والله خائف من هذا الرجل فماذا ترى فقال حسان يا عم والله ما أتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا وأخذ القوم يلحون عليه حتى أدخلوه على ابن مرجانه فأستقبله بعنف وشراسة وقال

((أتتك بخائن رجلاه ))

وكان شريح إلى جانبه فقال له :

أريد حياته ويريد قتلي          عذيرك من خليلك من مراد

وذعر هانئ فقال له :

((ما ذاك أيها الأمير ؟))

فصاح الطاغية بعنف :

((أيه يا هانئ ما هذه الأمور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ؟جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك وظننت أن ذلك يخفى علي ؟))

فأنكر ذلك هانئ وقال :

((ما فعلت ذلك وما مسلم عندي ))

((بلى لقد فعلت ))

وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما فرأى ابن زياد أن يحسم النزاع فدعا معقلا الذي جعله عينا عليهم فلما مثل عنده قال لهانئ :

((أتعرف هذا ؟))

((نعم ))

وأسقط ما في يدي هانئ واطرق برأسه إلى الأرض ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الموقف فانتفض كالأسد وقال لابن مرجانه :

((قد كان الذي بلغك ولن أضيع يدك عندي تشخص لأهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم فأنه جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك )).

فثار ابن زياد وصاح به :

((والله لا تفارقني حتى تأتيني به ))

وسخر منه هانئ وأنكر عليه قائلا له مقالة الرجل الشريف :

((لا آتيك بضيفي أبدا ))

ولما طال الجدال بينهما انبرى إلى هانئ مسلم بن عمرو الباهلي وهو من خدام السلطة ولم يكن رجل في المجلس غريب سواه فطلب من ابن زياد أن يختلي بهانئ ليقنعه فأذن له فقام وخلا به ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع صوتهما إذا علا وحاول الباهلي إقناع هانئ قائلا :

 ((يا هانئ أنشدك الله أن لا تقتل نفسك وتدخل البلاء على قومك إن هذا الرجل يعني مسلما ابن عم القوم وليسوا بقاتليه ولا ضائريه فأدفعه إليه فليس عليك مخزاة ولا منقصة إنما تدفعه إلى السلطان ..))

ولم يخف على هانئ هذا المنطق الرخيص فهو يعلم أن السلطة إذا ظفرت بمسلم فسوف تنكل به ولا تدعه حيا وأن ذلك يعود عليه بالعار والخزي أن يسلم ضيفه وافد آل محمد فريسة لهم قائلا:

((بلى والله عليَّ في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (ص) وأنا حي صحيح الساعدين كثير الأعوان والله لو لم أكن إلا وحدي لما سلمته أبدا )).

وحفل هذا الكلام بمنطق الأحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا ولا يخضعون لما يخل بشرفهم .

ولما يئس الباهلي من إقناع مسلم أنطلق نحو ابن زياد فقال له :

((أيها الأمير لقد أبى أن يسلم مسلما أو يقتل ))

وصاح الطاغية بهانئ :

((أ تأتيني به أو لأضربن عنقك ))    

فلم يعبأ هانئ وقال :

((إذا تكثر البارقة حولك ))

فثار الطاغية وانتفخت أوداجه فقال :

((والهفا عليك أبالبارقة تخوفني ))

 وصاح غلامه مهران وقال : خذه فأخذ بضفيرتي هانئ وأخذ ابن زياد القضيب فأستعرض به وجهه وضربه ضربا عنيفا حتى كسر أنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى تحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه وعمد هانئ إلى قائم سيف شرطي محاولا اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه فصاح به ابن زياد :

((أ حروري أحللت بنفسك وحل لنا قتلك ))

وأمر ابن زياد باعتقاله في احد بيوت القصر واندفع حسان بن أسماء بن خارجه وكان ممن آمن هانئا وجاء به إلى بن زياد وقد خاف من سطوة عشيرته ونقمتهم عليه فأنكر عليه ما فعله بهانئ قائلا :

((أرسل غدر أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت انك تقتله ))

وغضب منه ابن زياد فأوعز إلى شرطته بتأديبه فلهز وتعتع ثم ترك وأما ابن الأشعث المتملق الحقير فجعل يحرك رأسه ويقول ليسمع الطاغية :

((قدر رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا إنما الأمير مؤدب ))

ولا يهم ابن الأشعث ما أقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تأمين مصالحه ورغباته . 

انتفاضة مذحج :

وانتهى خبر هانئ إلى أسرته فاندفعت بتثاقل كالحشرات فقاد جموعها الانتهازي عمرو بن الحجاج الذي لا عهد له بالشرف والمروءة فأقبل ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالته قائلا :

(( أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة )) .

وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة وليس فيه اندفاع لإنقاذ هانئ ولذا لم يحفل به ابن زياد فالتفت إلى شريح القاضي فقال له  :

ادخل صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج إليهم وأعلمهم انه حي وخرج شريح فدخل هانئ فلما أبصر به صاح  مستجيرا.

(( يا للمسلمين أهلكت عشيرتي ؟؟؟ أين أهل الدين ؟؟؟ أين أهل المصر أيحذونني عدوهم (في رواية الطبري : أيخلوني وعدوهم )

 وكان قد سمع الأصوات وضجيج الناس فألتفت إلى شريح (شريح القاضي ينتمي لاحدى بطون كندة جاء ذلك في الكامل للمبرد ص 21 )

 قائلا :

(( ياشريح :أني لاظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين أنه ان دخل عليَّ عشرة أنفر أنقذوني ))( تاريخ ابن الأثير 3271 وجاء في تهذيب التهذيب 2351 ان هانئا قال لشريح : ياشريح اتقي الله فأنه قاتلي )

 وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد مخافة يدلي بشيء على خلاف رغبات السلطة فيفسد عليها أمرها فقال لهم :

((قد نظرت إلى صاحبكم وأنه حي لم يقتل ))

وبادر عمرو بن الحجاج فقال :

(( إذن لم يقتل فالحمد لله ))( تاريخ ابن الأثير 3271)

وولوا منهزمين كأنما أتيح لهم فرصة الخلاص من السجن وهم يصحبون العار والخزي وظلوا مثالا للخيانة والجبن على امتداد التأريخ وفيما احسب أن هزيمة مذحج بهذه السرعة وعدم تأكدها من سلامة زعيمها جاءت نتيجة إتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على هانئ ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما اخرج هانئ من السجن في وضح النهار ونفذ حكم الإعدام في سوق الحذائين وعلى أي حال فقد خلدت مذحج للذل ورضيت بالهوان وانبرى شاعر مجهول أخفى اسمه حذرا نقمة من الامويين وبطشهم فرثى هانئا وندد بأسرته محاولا بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبيلة ليثأروا لقتيلهم يقول :

فان كنت لا تدرين ما لموت فانظري           إلى هانئ في السوق وابن عقيل

الى بطل هشم السيف وجهه                     وآخر يهوي من طمار قتيل

ترى جسدا قد غير الموت لونه                    ونضح دم قد سال كل مسيل

فتى كان أحي من فتاة حيية                       واقطع من ذي شفرتين صقيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا                           وقد طلبته مذحج بذحول

تطوف حواليه (مراد ) وكلهم                      على رقبة من سائل ومسلول

فان انتم لم تثأروا بأخيكم                              فكونوا بغايا أرضيت بقليل

 

(في مروج الذهب 270 انها لشاعر مجهول وكذلك في الأغاني 335 وفي جمهرة الأنساب ص 228 انها للأخطل وفي مقاتل الطالبيين ص 108 انها لعبد الله بن الزبير الأسدي وفي الطبري انها للفرزدق وفي الأخبار الطوال ص 219 انها لعبد الرحمن بن الزبير الأسدي وفي لسان العرب 6174 انها لسليم بن سلام الحنفي .)

 

لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تلف له حقوقه فتركته اسيرا بيد ابن مرجانه يمعن في إرهاقه من دون ان تحرك ساكنا في حين إنها كانت لها السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك فلهوزن وعلى أي حال فقد كان لاعتقال هانئ الأثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف في نفوس الكوفيين مما أدى إلى تفرق الناس عن مسلم وإخفاق الثورة .

 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية